أحمد بن محمد القسطلاني

497

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الذين باتوا دون الذين ظلوا إما للاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر نحو : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } [ النحل : 81 ] . أي والبرد إما لأن طرفي النهار يعلم من طرفي الليل وإما لأنه استعمل بات في أقام مجازًا فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا نهار دون ليل ، فكل طائفة منهم إذا صعدت سئلت ، ويؤيد هذا ما رواه النسائي عن موسى بن عقبة عن أبي الزناد ، ثم يعرج الذين كانوا فيكم ، بل في حيث الأعمش عن صالح عن أبي هريرة عند ابن خزيمة في صحيحه مرفوعًا ما يغني عن كثير من الاحتمالات ولفظه : " يجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتثبت ملائكة النهار ، ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتثبت ملائكة الليل " . ( فيسألهم ) تعبدًا لهم كما تعبدهم بكتب أعمالهم ( وهو أعلم بهم ) أي بالمصلّين من الملائكة فحذف صلة أفعل التفضيل ولابن عساكر فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ( كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ) الواو للحال لكنه استشكل لأنه يلزم منه مفارقتهم قبل أن يشهدوها معهم والحديث صرح بأنهم شهدوها معهم . وأجيب : بالحمل على شهودهم لها مع المصلي لها أول وقتها ، وشهدوا من دخل فيها ومن شرع في أسبابها بعد ذلك والمنتظر لها في حكم مصلّيها ، وهذا آخر الجواب عن سؤالهم كيف تركتم ، ثم زادوا في الجواب لإظهار فضيلة المصلّين والحرص على ذكر ما يوجب مغفرة ذنوبهم فقالوا : ( وأتيناهم وهم يصلون ) . ولما كان المراد الإخبار عن صلاتهم والأعمال بخواتيمها حسن أن يخبروا عن آخر أعمالهم قبل أولها . ورواة هذا الحديث مدنيون إلا شيخ المؤلّف فتنيسي ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في التوحيد ومسلم في الصلاة وكذا النسائي فيها وفي البعوث . 17 - باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ( باب ) حكم ( من ) أي الذي ( أدرك ركعة من العصر ) أي من صلاتها ( قبل الغروب ) وللأصيلي قبل المغرب ، ويحتمل أن تكون من شرطية حذف جوابها وتقديره فليتم صلاته . 556 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ » . [ الحديث 556 - طرفاه في : 579 ، 580 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا ) وللأصيلي أخبرنا ( شيبان ) بن عبد الرحمن التيمي ( عن يحيى ) ولأبي الوقت في نسخة عن يحيى بن أبي كثير بالمثلثة ( عن أبي سلمة ) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إذا أدرك أحدكم سجدة ) أي ركعة وهي إنما يكون تمامها بسجودها ( من صلاة العصر قبل أن تغرب ) وللأصيلي قبل أن تغيب ( الشمس فليتم صلاته ) أداء ( إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) إجماعًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال : تبطل الصبح بطلوع الشمس لدخول وقت النهي ، وهل هي أداء أم قضاء ؟ الصحيح عندنا الأول أما دون الركعة فالكل قضاء عند الجمهور ، والفرق أن الركعة تشتمل على معظم أفعال الصلاة إذ معظم الباقي كالتكرير لها ، فجعل ما بعد الوقت تابعًا لها بخلاف ما دونها ، وعلى القول بالقضاء يأثم المصلي بالتأخير إلى ذلك وكذلك على الأداء نظرًا إلى التحقيق ، وقيل : لا نظرًا إلى الظاهر المستند إلى الحديث ، وقوله : فليتم جواب معنى الشرط المتضمن لإذا ، ولذا دخلت الفاء . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وكذا النسائي ومسلم وابن ماجة . 557 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا ، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا . ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا ، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا . ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ . فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ : أَىْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً . قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ ؟ قَالُوا : لاَ . قَالَ : فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ » . [ الحديث 557 - أطرافه في : 2268 ، 2269 ، 3459 ، 5021 ، 7467 ، 7533 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ) وللأصيلي ابن عبد الله الأويسي بضم الهمزة نسبة إلى أويس أحد أجداده ( قال : حدّثني ) بالإفراد وللأصيلي حدثنا ( إبراهيم ) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر ابن سعد بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن سالم بن عبد الله ) بن عمر ( عن أبيه ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ( أنّه أخبره أنّه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) : ( إنما بقاؤكم فيما ) أي إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما ( سلف قبلكم من الأمم كما بين ) أجزاء وقت